الاثنين، 24 فبراير 2014

أزمة

أحد أصدقائى، وهو رسام وفنان وكاتب وأديب، قضى فترة من عمره فى الولايات المتحدة الأمريكية، ثم  ارتبط عاطفيا بشابة من هناك، وتعرف أهلها، وخطط أنه سيرتبط بها ليستقر فى أمريكا إلى الأبد. وأتت  لحظة جعلته يعيد الحساب، لينفصل عنها ويعود لمصر، إلى جانب ظروف أخرى عديدة.

وكانت اللحظة أثناء جلوسه معها وهى تستعرض له عددا من الصور العائلية التى تخصها، فتشير وتقول  هذا فلان وهذا علان. فأشارت لشخص قائلة: هذا أخى، الذى سيصير خالا لابنك.

وعلى ما أذكر من رواية صديقى للأمر، وهى الرواية التى تذكرتها الآن فجأة، أنه صدم من تلك الحقيقة،  وهو أن ذاك الرجل الأجنبى، الذى ينتمى لبلد يقع على الجانب الآخر من الكرة الأرضية، ذلك الرجل  الأمريكى الغريب عنه، هو بكل ما خلفه من تاريخ وتراث ولغة وديانة وسلوك أجنبى لا ينتمى له،  سيمسى خالا لابنه، وأخته أما لأولاده، وقومهم قوما له. كانت لحظة فاصلة، قرر عندها أنه ليس من  هؤلاء القوم، وهؤلاء القوم ليسوا منه.

وكما وصف لى الصديق هذا الموقف، تذكرته الآن، أنا الذى أفكر كل يوم فى هذا الأمر. لقد خانتنى بلدى  أسوأ خيانة، وأجبرنى كل ما رأيت عبر ست السنوات الماضية على الكفر بقومى وكل ما يفعلون. وصرت  الآن، كغالبية أقرانى، لا أفكر إلا فى الهرب من هنا. الهرب إلى بلاد بعيدة، ثم خلع كل ما آمنت به فأولد  من جديد فى أرض أخرى وسط قوم آخرين، ذوى أعراق أخرى وأديان أخرى وطباع أخرى.

تذكرت هذه القصة الآن، عندما حددت موقفى بشكل نهائى. حقا إننى أعلنت كفرى بكل شىء تقريبا،  لكنى عدت من جديد لتنكشف لى سريرتى، فتخبرنى بصدق أنى لن أكون إلا مصريا عربيا مسلما. للأسف.  قلت أكثر من مرة إنى أتخلى عن جنسيتى المصرية، وكفرت بعروبتى، ورغم أننى لا زلت فى العموم أرى  نفسى مسلما، لكنى بشكل ضمنى، تخليت عن ديانة الإسلام فى كل شىء، وبالكاد أحملها اسما فقط.

تذكرت رواية هذا الصديق العزيز، عندما وجدت نفسى وبلا إرادة، أرفض بمنتهى الشدة كل الأفكار " الحديثة" التى طفحت بها شبكات الاتصال. وجدت نفسى أنهال بالسباب واللعن على كل من يقول  تلميحا أو تصريحا بوجوب الأخذ بالأنظمة الأجنبية، سياسة أو اقتصادا، عادات أو تقاليد، ديانة أو فكرا  أو فنا أو أى شىء آخر. وجدت نفسى أصاب بالغضب من كل من يطرح لنا شيئا مأخوذا كما هو من  بلدان أجنبية، غربية على وجه التحديد، سواء أكان يتكلم عن علم أو جهل. وأنعت كل من يقول بأى  من هذا بالقرد المقلد الذى لا يفعل إلا تنفيذ أوامر سيده مدرب القرود ذى العينين الملونتين والبشرة  البيضاء والشعر الأشقر!

إن فى اعتبار هؤلاء قرودا ذوى مؤخرات حمراء، أسبابا عديدة وأراها وجيهة. ولكن تعالوا نتجاوز هذه  النقطة الآن، ونضع أيادينا على قلب الأزمة:

إن المشكلة لمعقدة بحق. فكيف للمرء أن يطالب نفسه بأن يكون معتزا بهويته الدينية والوطنية  والقومية، وأن يكون ذا جذور ممتدة فى قلب أرضه ووطنه، وأن يكون صاحب قضية ومبدإ هو على  استعداد للنضال والجهاد بل الموت فى سبيله.. أقول كيف يطالب المرء بنفسه بهذا بعد أن خين ممن  ظنهم أبناء القضية أسوأ خيانة؟ كيف مع دولة تبدو بلا أمل فى الإصلاح؟ كيف مع أولئك المسوخ القبيحة  الشوهاء التى تجوب الشوارع؟ كيف تكون مناضلا فى أرض العميان، العميان الذين يقذفون بالطوب أول  من يقذفون، من يحاول إعادة كرامتهم لهم؟

وكيف تكون مصريا عربيا مسلما، وقد أجبرتك الظروف، ومن قبلها نفسك الهشة، على الكفر بمصريتك  واحتقار عروبتك والعيش حياة هى أقرب لحياة الكافر عديم الملة والدين؟

ليس الأمر بسيطا. إنها أمور تولد بها، تسرى فى عروقك وتسبح فى دمك، هى أمور يرثها أمثالى عن أجداد  أجداد أجدادهم. إنها أمور غير قابلة للمحو ولا التبديل ولا التحوير.. أدنى تحوير.

إنها أزمة "الرجل الثالث". أزمة الرجل الذى يرفض أن يكون عبدا ذليلا، ويرفض أن يكون سيدا جبارا. إنه  يرفض الخيارين المتاحين فى دولته، ولا يبدو له الخلاص إلا بالخروج.. لكن الخروج إن أتى، فلن يكون  بصحبة النبى موسى، إن خرجت فلن تخرج إلا وحيدا ضائعا، فى أرض لا تنتمى لها، ولا تنتمى لك.

الأحد، 12 يناير 2014

معدن أسود - 5 - أبناء الظلام الشمالىّ

هذه المرة نستعرض مجلدا كاملا، لا أغنية واحدة. وهو واحد من المجلدات القليلة التى تجد أغنياتها وحدة واحدة متكاملة، بلا ركاكة أو ضعف فى أى من أركانها، ولن تضطر لتجاوز أغنية أو اثنتين، بل إنك ستعجز عن إيقاف تشغيل تلك الملحمة المهيبة إذا شرعت فى الاستماع! إنها ثمانية أغنيات عظيمة، تحت اسم "أبناء الظلام الشمالى".

وقبل الوصف الذى اعتدنا قوله، علينا الإشارة للسيد "أُلْفِى أيكيمو"، الذى سمّى نفسه بالاسم المعروف: "أَبَاث دُوم أُوكُلْتا". إنه النرويجى الرهيب الذى لا يتوقف عند كونه مجرد مغنٍ وكاتب موسيقى عظيم، بل إنه بلا جدل واحد من مؤسسى المعدن الأسود ومن أعظم رموزه. ولعل من أكثر ما يميزه ذلك الدهان الأبيض والأسود الذى يلطخ به وجهه فى الحفلات وقبل التصوير، وتعمده إخراج لسانه للجمهور وللمِصْوَرَة عندما تسيطر عليه الحماسة، ونفخه النيران من فيه بشعلة صغيرة ووقود يملأ به فمه كما يفعل بعض فرق الاحتفالات الشعبية فى كثير من البلدان، وهو الأمر الذى يثير جنون جمهوره فى المسرح!

هذا الرجل ذو صوت مرعب، ذو قعقعة معدنية لا مثيل لها على الإطلاق بين مغنى فرق المعدن الأسود.. صوت لا مثيل له بين بنى البشر، وما كان لغير هذا الرجل أن يكون له صوت كهذا. والأهم من حنجرته الإبليسية، هى موسيقاه. فهو ليس ككثير من أقرانه، مجرد مغن للفريق و"رجل مقدمة" بينما يقوم الآخرون بمهمة الكتابة وتأليف الكلمات والعزف، لكنه يكتب الموسيقى ويكتب الكلمات ويعزف ويغنى ويؤدى أداء جنونيا على المسرح، حوّله رمزا يشار إليه بالبنان فى عالم المعدن عموما.

هل تكفى الكلمات لمدح هذا المجلد العظيم؟ لا أظن.. وفى الأصل أنما لا تكفى الكلمات لوصف الموسيقى، ولو كان هذا ممكنا لما أوحى الله للبشر بخلق الموسيقى من الأصل.

ربما يكفى ذكر اسم الأغنية على عجل وذكر ما تيسر من الكلام حولها. الافتتاحية هى "واحدا وراء الآخر"، ذات الضحكة المعدنية السوداء الرهيبة التى يلقيها أباثُ فى منتصفها، و"أبناء الظلام الشمالى" التى تحمل مقدمتها واحدة من أعظم الصرخات المعدنية التى يمكن أن يستمتع بها أى رأس معدنى أصيل، و"طواغيت" ذات الكبرياء، و"وكر الشياطين"، و"بداخل العقل المظلم"، و"فى مملكتى باردا" وهى ملحمة عظيمة لا مثيل لها ولا شبيه ولا ند ولا مثال، بل هى من فرط عبقريتها قادرة على إشعارك بالبرودة فى ظهرك، واستدعاء عواصف الثلج القطبية فى دقيقة واحدة! و"أنتركتيكا"، وأخيرا: "بعد موجات الشمال" ختاما لهذا المجلد العظيم.

فى العادة وكما جرى العرف، فالمعدن الأسود حزن نقى صاف. ولكن مع فرقة "أَبَدِىّ" يختلف الأمر.. إنهم يضيفون إلى الحزن شيئا آخر، هو حزن حنين. أى: حنين لأمجاد قومهم القدامى، وحنين لكل ما خرجت به أرضهم، وهى الجبال الشاهقة السامقة، والعواصف الجليدية العارمة التى تفزع كل سكان الأرض عداهم فهم أبناؤها، والبرد الزمهرير الذى لا يبهج غيرهم فهم لا ينشطون إلا فيه، والغربان السوداء التى تتأمل الأفق الأبيض. اسمع أغنياتهم ستسمع هذا الحنين، الذى يأتى كثيرا أو غالبا، فى صورة صرخات استدعاء آمرة، تقول لشتاء القطب أن يأتى! هل تذكرون إذ قلت لكم إنّى أشعر أحيانا بأن الأغانى تغير من الواقع؟ هذا على الأرجح كلام عابث.. ولكن لماذا لعبت الصدفة دورها، عندما لم أبدأ بسماع هذا المجلد إلا فى أشد أيام الشتاء برودة؟

http://www.youtube.com/watch?v=eAlSKr5_XEo

الأربعاء، 13 نوفمبر 2013

معدن أسود - 4 - التمام أو الخيلاء

هذه بكائية، ولكنى من جعلها بكائية. يقولون إن الفن ذو طرفين: صانعه ومدركه، ومدرك الفن سمعا أو بصرا يشارك فى العمل بشكل من الأشكال، إذ أن كل امرئ يستقبل العمل بذوقه الخاص، ويضيف إليه أبعادا، عمقت أو ضحلت، حسب رؤيته الشخصية. لا أعلم إن كان هذا صحيحا أم خطأ أم بينَ بينَ، لكنه يبدو لى صحيحا تماما مع هذه المعزوفة بالذات.

بعض ما سمعت أضفت إليه مشاهد من خيالى حسبما أوحت إلىّ به الموسيقى، وربما تكون المشاهد مغايرة تماما لما قصده صانعها، أما البعض الآخر فهو يجلب لى مشاهد جاهزة من عالم الواقع، طبقا لظروف أو ذكريات محددة سمعت الموسيقى أثناءها. كم منا عند سماعه أغنية ما، تقفز على الفور إلى ذهنه مشاهدُ كبيت أقام فيه أو شارعٌ اعتاد المرور عبره أو حبيبة قديمة؟

وقبل أن أخوض فى التفاصيل، أقول: إن الألبوم الذى تضمن هذه الأغنية هو أول ألبوم لـ "ديموبورجير" يستبدلون فيه بالأصوات الإلكترونية للوتريات والإنشاد والآلات النحاسية، فرقة أوركسترا حقيقية. وفى رأيى لم تكن التجربة فى هذا الألبوم بالغة النضج، فلم تعجبنى إلا أغان قليلة فيه - منها هذه المعزوفة بالطبع - أما التجربة الحقيقية فهى فى الألبوم الأسطورى المهيب الذى تلاه مباشرة، وسوف يكون لنا معه الكثير من الكلام لاحقا.

شكل المعزوفة بسيط جدا. أولا هى موسيقى بلا غناء، وتتألف من جملتين متعاقبتين لا مزيد، وتتكرران عدة مرات، حتى يخفت الصوت تدريجيا وتنتهى. وفى نهايتها وُضِعَت إضافة بسيطة، هى مصاحبة بآلات الكمان فى "أُكتاف" حاد. هذه الأغنية بسبب ظروف سماعها الطويلة والمعقدة عندى، التى تعتق من داخلى كل ما هو ذو عاطفة بلا عقل، لن أستطيع أن أذكر كم مرة أجبرَتْ عينىّ على الدمع أو الشروع فى البكاء.. وبالأخص: فى جملتها اللحنية الثانية.. وبالأخص: تعاقب آخر نغمتين فيها فى طبقة القرار، "رى بيمول" ثم "دو" التين يعزفهما جيتار الباص والإتشلو.

ماذا أقول عنها؟

تعرفت فرقة ديمو بورجير منذ بدايات العام 2011، وجعلت أستكشف موسيقاهم بالتدريج، ولا زلت أستكشفها وأتمتع بها حتى الآن. لكن هذه الأغنية أتت فى ظروف ما، ولا أعلم هل أتت لأن الظروف هى من استدعاها، أم أن سماعها هو الذى الذى تسبب فى تلك الظروف؟ حقا هل تستطيع الأغنيات تغيير الواقع؟ أم أننى أهذى؟

كلما سرت فى طريق المحاولة الدؤوبة لأكون رساما أفضل، ازدادت عيناى حساسية، وازداد القبح الذى أراه، الذى لم أكن أنتبه له.. وهذه الأغنية أتت فى وقت أفقت فيه فجأة على الكارثة المدنية التى نحياها، عندما أسير فى شوارع وسط البلد لأرى تحفا فنية أسطورية استحالت مسوخا.. لأستمع إلى هذه الأغنية تخيلا أو أستمع إليها حقا بسماعات الرأس، وفهمت بشكل واقعى عملى ما الذى يعنيه "البكاء على الأطلال" الذى أجاده عرب الجاهلية.

مع هذه الأغنية أستعيد ذكرى ثورة وئدت حية، وبأبشع الطرق الممكنة، كلما مشيت فى تلك الشوارع.

مع هذه الأغنية أستعيد وجوه عدد من أصدقاء أحبهم بلا مقابل، ويحبوننى بلا مقابل، الأمر الذى يملؤنى قلقا وحزنا وخوفا على أيام حتمية المجىء، يوم أكف أن أراهم فى تلك الأمكنة.

مع هذه الأغنية أرى وجها لفتاة ذات وجه طفولى جميل وعينين واسعتين، سرنا سويا عبر شوارع وسط المدينة، أو شوارع الأغنية نفسها! فتاة علاقتى بها شديدة الاضطراب، ولعلها علاقة تحتضر الآن.

التمام أو الخيلاء.. هى معزوفة قصد بها كاتبوها أشياء، حولتها أنا أشياءَ أخرى مختلفة تماما، حتى إنى أعتبر نفسى، بشكل ما، كاتبها.

http://www.youtube.com/watch?v=onaF93-NpFE

الاثنين، 11 نوفمبر 2013

معدن أسود - 3 - سبيل المشنقة

مع كل نفس أستنشقه، أدعو بالموت
ألعن يوم مولدى، كارها هذه الأرض النتنة،
سائرا فى درب تحطيم الذات.

كنت مثل جنسكم عديم القيمة:
أعمى..
الآن أصحو، مفعما بالكراهة، طائحا بكل الأوهام.

لن أظل خادما ولا دمية معلقة بخيوط
قد حان وقت التمرد!!
ناء كاهلى بهذا الحمل
أعتقوا روحى بمشنقة وفرع شجرة.

مع كل خطوة أخطوها أجتاز الخط
إلى حيث يستوى النور والعتمة
والموت هو المدخل
وإن هذا ليبعث فى الرضا.

آه! فلأذق حلاوة النسيان.

رغم أن كرستوفر أوليفيوس لا يتمتع بصوت مميز كمغنى فرق المعدن الأسود الشهيرة، فهو مثلا لا يملك صوتا قويا مفعما بالطاقة كشجراث، ولا يملك تلك القعقعة المعدنية الرهيبة التى تميز العظيم أباث، ولكنى أجد فى صوته شيئا آخر.. ولا تسلنى ماذا أجد على وجه التحديد، لكنى على الأقل أراه الوحيد القادر على غناء كلمات كتلك، على ألحان كتلك.

تبدأ الأغنية بلحنها الافتتاحى، وبه شىء كان فائق الندرة فى الموسيقى التراثية - بل المعاصرة أيضا - ولكنها شائعة نسبيا فى موسيقى المعدن، وهو تآلف يجمع بين نغمتين لا يفصل بينهما إلا نصف نغمة. وهذا التآلف بالذات، وبالأخص عندما يُعزف بجيتار كهربى مشوه، له وقع شديد على النفس.. وهو فى هذه الأغنية يعدك لسائر الأغنية.

هى تصف لك اللا شىء.. العدم.. النهاية.. الكفر بكل شىء.. كلمات غير منمقة تقول: قد قررت الانتحار، وموسيقى تقول: على هذا اللحن سأموت، وأستنشق رائحة العدم منتشيا. هذه أغنية تنسجم كلماتها مع ألحانها، فلا تقدم لك إلا نفسك وهى واقفة على حافة الهاوية.. وحتى الآن لم أستمع إلى معزوفة تفوقها حزنا.


http://www.youtube.com/watch?v=DhawxsCnihs

الخميس، 12 سبتمبر 2013

معدن أسود - 2 - تيراس

"يا تيلوس (تيراس)، لقّبتكِ بعاهرة الأرض،
إنّ الوباءَ والنحسَ هم نَدَبَاتُك.
اهْوَىْ ممزقةَ الجسدِ واكتبى كلمة النهاية
واسحبى جثتكِ المحتضرة إلى الظلام."

عادة لا أعبأ بقراءة كلمات الأغانى، وأفضل الاستماع، مكتفيا بالموسيقى التى تلقى بداخلى ما هو مطلوبٌ قولُه، خاصة أن غالبية الكلمات التى قرأتها تختلف كثيرا عما توقعته فيها وحيا من الموسيقى، وكذلك أننى أجد مواهبَ أفراد الفرق الشعريةَ أقلَّ بكثير من مواهبهم الموسيقية، فكم من أغنية عظيمة أسطورية موسيقى، ضعيفة ركيكة كلماتٍ، وربما بلا معنى واضح.

وأغنية اليوم لا تزيد عن مقدمةٍ للألبوم، فهى أكثر بقليل من دقيقتين، ومجرد تمهيد للأغنية الثانية "جواد أشهب" (وهى أغنية جليلة). ثم نجد لحن أغنية المقدمة هذه مكررا مرة أخرى فى نهاية آخر أغنية من المجلد، وهى أغنية "شمعة الوجود الذابلة".

وتيراس أغنية صغيرة بسيطة التكوين، بطيئة الإيقاع وهو أقل بكثير من مائة نبضة فى الدقيقة، وفيها لحن أول يُذكر عبره اسم الأغنية عدة مرات بغناء جماعى، يليها لحن ثان يقول فيه كرستوفر أولفيوس كلمات الأغنية القليلة، ثم يعود اللحن الأول، مضافا إليه مصاحبة بسيطة بالجيتار الكهربى، وهى مصاحبة كفيلة بتمزيق قلبى كلما سمعتها.. خاصة أنها تبدأ مع صرخته الطويلة قائلا: إلى الظلام.

انطباعى، أو الصورة التى شكلتها فى ذهنى بمجرد السماع دون قراءة الكلمات، أن تيراس هذا إله وثنى آمن به جماعة من البشر، وأن الأغنية تدور بينما مجموعة من الناس شاحبى الوجوه، شحوبا طبيعيا أو طلَوْا أجسادهم باللون الأبيض، منهم الرجال والنساء، يبتهلون ويتضرعون إلى ربهم الوثنى هذا طامعين فى تخليصه إياهم. ولا يهم مم يخلصهم، فمن يطمع فى الخلاص من شىء ما، ويطلب خلاصا من إله أو من يقوم منزلته، فهذا الشىء بالضرورة جحيم أو أشر منه.

وكانت المصادفة لطيفة إذ عرفت أن تيلوس أو تيرا هى ربة الأرض عند الروم القدماء. لكن أولفيوس لا يطلب منها الخلاص، إنه يصفها بأقذع الصفات، فيأمرها بالانصراف إلى عالم النسيان ساحبة جثتها. ورغم اختلاف هذه الكلمات مع الصورة الخيالية التى رسمتها فى ذهنى، وهى صورة مأساوية، فيمكن رغم كل شىء ربط هذا بذاك. إن الأشخاص الذين يطلبون الخلاص من ربة الأرض، قد يكون بأن تنتحر الأرض نفسها، وتضع نهايتها، وتخلص نفسها من الوباء والنحس، وتخلص هؤلاء الشاحبين اليائسين، بأن تقتلهم معها. ولا داعى لأن أقول إننى لا ريب، واحد من أولئك الشاحبين، أو على الأقل لدى الخيار فى الانضمام إليهم بالدعاء بالخلاص.

http://www.youtube.com/watch?v=zIkwrF9Ltek

الخميس، 5 سبتمبر 2013

كَلاَش!


أرى هذا اللقاء بين هذين الرجلين، لقاء تاريخيا بحق!
وأهميته التى أراها تأتى من رمزيته، لا لشىء آخر.
الرجل الجالس على اليمين هو "يوجين ستونر"، مصمم البندقية الهجومية الأمريكية الشهيرة "م-16"، التى صممها فى أواخر الخمسينات ليعتمدها الجيش الأمريكى فى الستينات "بندقية خدمة" أو السلاح الخفيف الرئيسى الذى يستخدمه غالبية عسكر الجيش. البندقية م-16 بندقية ممتازة لا ريب، فهى خفيفة الوزن، وسهلة الاستعمال، وذات معدل نيران عالٍ، ودقيقة التصويب.. وقاتلة. لكن كل هذه المميزات تراجعت أمام عيب خطر، وهو حاجتها المستمرة للفك والصيانة فى قلب ميدان القتال.
أما الجالس على اليسار، ذلك الرجل الضئيل ذو الوجه الوديع الهادئ، هو أسطورة السلاح النارى الخفيف فى العالم كله، مبتكر أشهر آلة قتل فى التاريخ، البندقية الآلية "أ ك 47".. إنه ميخائيل تيموفييفتش كلاشنكوف!
البندقية هى "أفتومات كَلَشْنِكُوفا 47"، ويعنى الاسم: بندقية كلشنكوف الآلية، والرقم 47 يشير للعام 1947الذى انتهى فيه الرفيق كلاشنكوف من تصميم بندقيته، وخضعت للاختبار الدقيق عامين حتى قرر الجيش السوفييتى الرهيب اعتمادها بندقية خدمة رئيسية لغالبية أفراده فى العام 1949. رصد العالم الغربى هذه البندقية لأول مرة يوم التدخل العسكرى السوفييتى فى عدد من دول أوروبا الشرقية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث حملها الجنود السوفييت زاحفين فى الشوارع، وبعدها شرعت الصين فى تصنيع البندقية لديها بعد اتفاق مع الاتحاد السوفييتى، ومن الصين انتشرت هذه البندقية، التى لا تخطئها العين، فى العالم كله.

ما السر فى اعتماد ما يقرب من نصف جيوش العالم، والغالبية العظمى من الثورات المسلحة وحركات التمرد وحتى رجال العصابات على البندقية أ ك 47؟
هى تجمع غالبية مميزات منافستها الأمريكية م-16، لكنْ أضف إليها اثنتين: الأولى رخص الثمن وسهولة التصنيع، والثانية وهى الأهم والأخطر: الاعتمادية! البندقية أ ك 47 قادرة على إطلاق الرصاص بعد غمرها فى الماء، بل إنها تعمل غاطسة فى الماء بلا مشاكل، ويمكنك أن تحشوها بالرمال والتراب والطين وستستمر فى العمل رغم ذلك وكأن شيئا لم يكن. أضف إلى ذلك أن عيارها 7.62x39 ملم (وهى من أولى البنادق التى تعتمد هذا العيار) قادر على اختراق ألواح الخشب والألواح المعدنية، قاتلا من يحتمى خلفها. حقا هذا العيار أقل مدى وأقل دقة من عيار البندقية الأمريكية وهو 5.56×45 ملم، لكنه أشد قوة وفتكا بكثير.
التقت البندقيتان أ ك-47 وم-16 فى واحد من أول اختباراتهما الميدانية الحقيقية فى حرب فيتنام. تسلح "المجاهدون" الفيتناميون بالبندقية السوفييتية، وتسلح عسكر المارينز بالبندقية الأمريكية، وخسرت الأخيرة المعركة أمام نظيرتها. تحملت الـ أك 47 الظروف القاسية فى أحراش فيتنام، ولم تتأثر بالماء أو المطر أو الطين أو التراب وعملت بمنتهى الكفاءة، أما الـ م-16 كانت تحت عناية مركزة مستمرة من الفك والصيانة والتنظيف والتركيب المستمر، بل إن معدلها العالى من النيران، الذى كان أعلى من معدل نيران نظيرتها السوفييتية، كان نقمة لا نعمة، حيث أدى إلى إهدار مخزون هائل من الذخيرة بسبب الطلقات الطائشة جرّاء هذا المعدل العالى، عندما كان الأمريك يتعرضون لهجوم فتنامى مباغت من قلب الأحراش. وكانت هذه الإخفاقات سببا فى إدخال تعديلات عديدة على الـ م-16 وإنتاج مشتقات محسنة منها بعد ذلك، بينما خرجت الـ أ ك 47 من المعركة رافعة الرأس!
لماذا انبهرت إذ رأيت هذا اللقاء؟
السبب الأولىّ هو أنه إذا افترضنا أن البندقيتين الشهيرتين تمثل كل منهما الأمة السوفييتية والأمة الأمريكية، التين تطاحنتا فى حرب باردة (هى فى الواقع لم تكن باردة قط!) على ما يقرب من نصف قرن، فها نحن نرى ممثل الأمة السوفييتية يلتقى ممثل الأمة الأمريكية فى التسعينات، ويجلسان على مائدة واحدة يتبادلان حديثا وديا بعد كل هذا. أما السبب الثانى لانبهارى، فهو قائم على المعلومة الآتية: صنع من البندقية السوفييتية (بطرزها الأصلية والمحسنة والمعدلة) حوالى مائة مليون قطعة، أما الأمريكية فصنع منها حوالى عشرة ملايين بمشتقاتها. وهذين العجوزين اللطيفين المبتسمين، الذين قد يخالهما المرء موظفين متقاعدين يجتران ذكريات اللطيفة، هما فى حقيقة الأمر صانعا اثنتين من آلات القتل، فتكتا - على الأقل - بملايين البشر فى حروب بدأت منذ منتصف القرن الماضى، ولا تزالان مستمرتين فى القتل حتى الآن!

عبد الرحمن نجم الدين

للاستزادة:
http://www.youtube.com/watch?v=8jsMyg9NwBc

(نشر على فيسبوك بتاريخ  9/7/2013)

معدن أسود - 1

"استمعوا إلىّ الآن. لعلّما نقدّر الإجرام لو كان يجلب الرضا بشكل ما"
هذه الكلمات هى مطلع أغنية "الوحشية التى جَلَبْتِها أَزُهُورَ الأُركيد".
لم أحبِبْ فرقة "مهد النتانة" البريطانية على الإطلاق، رأيى فيها هو رأى غالبية جمهور المعدن، أنهم يهتمون أكثر بالجوانب الاستعراضية وهيئتهم الخارجية وشكل المسرح فى حفلاتهم، أكثر بكثير من موسيقاهم نفسها.

لكن هذه الأغنية بالذات تحمل لى ذكريات وقصص ومشاهد كابوسية سأظل إياها حاملا إلى القبر. هل تتصور أحدا يموت أبوه فيستمع لهذا الصنف من الموسيقى عوضا عن القرآن؟ استمعت لهذه الأغنية - حقا وصدقا - طوالَ نهارات أسبوعين كاملين تقريبا، وربما أكثر. هذه الأغنية رائعة بمقاييس المعدن الأسود بالطبع (رغم رداءة غالبية أغانى الألبوم)، لكنها عندى اكتسبت أبعادًا مرعبة أخرى. ظلت أنغامُها طوال أسبوعين مختلطة ببرد شديد فى منتصف الشتاء، وأصواتِ بكاء ونحيب، وسعىٍ بداخل ثلاجات المشرحة، وبشرٍ أو أشباه بشر كمسوخ متناهية البشاعة، وصلاةِ الجنازة، وتشييعِ الميت، وأخيرًا طقوسِ الدفن.

لم أقرأ كلمات الأغنية، لكنى ترجمت موسيقاها لمشاهدَ هى بالطبع لا علاقة لها بغرضها، لكنها تناسبنى تماما. رأيت صورة ممر طويل أبيض، ورجل يعدو بداخله هاربا من شىء يطارده، وعلى التوازى رجل آخر يرقد فى فراشه مستسلمًا، ونفس الذى كان يطارد الرجل الأول، وهو الموت، يطوف على الفراش ناظرًا الرجل. أما رجلنا هذا الراقد على الفراش، فكان يبتسم بهدوء، ويمد يديه لتمسكا بيدىِ الموت، وأجنحة هذا تطوق الفراش. لعله أدرك وفهم أن الموت ذا الأجنحة ليس عدوا، بل إنه مخلّصه الوحيد.

وحتى الآن لا أعلم هل أبى الراحل هو أى الرجلين.

(أم هو الاثنان معا؟)

http://www.youtube.com/watch?v=hW8HpvsbOi4

الاثنين، 1 أبريل 2013

الغزو من الداخل

"تصالح مع ذاتك". قرأت تلك العبارة وسمعتها كثيرا فى كتب ومقالات ومحادثات، ولم أفهمها قط. بخلاف غيرها مما كنت لا أفهمه، لم أتعامل معها باستخفاف وسخرية من ناحية، أو بخوف وتطير من ناحية أخرى، وهذا ما يصاحب ما نجهله عادة.. كنت أستقبلها بحياد تام.

وأظننى الآن، بدأتُ أفهم المعنى..


قد أصفه بنكتة قالها صديق دراسةٍ وأنا طفل فى المرحلة الإعدادية، وتقول النكتة: تعطلت عربة شخص ما فى بقعة مقفرة، ووقف الرجل بجانبها حائرا ماذا يفعل. فإذا به يشاهد بيتا بعيدا، فيقرر الذهاب إليه طالبا إجراء مكالمة هاتفية، ولكن الرجل تراجع عن الفكرة، إذ توقع أن يرد صاحب البيت: هذا بيتٌ لا مركزُ اتصالات! فقرر أن يسأله المبيت حتى الصباح، فتراجع أيضا إذ توقع أن يرد عليه: هذا بيت لا فندق! فقرر أن يسأله بعض الطعام، فتراجع مرة أخرى متوقعا الرد: هذا بيت لا مطعم! هنا قرر صاحب العربة أن يتوجه إلى البيت وقد عقد أمرا.. طرق الباب ففتح له صاحب البيت. وبمجرد أن انفتح الباب صرخ بوجه الرجل بغضب شديد: "لن أطلب منك شيئا"!!


هذه النكتة - ولعل أصلَها قصةٌ قصيرة أو شىءٌ من هذا القبيل - أراها قطعة أدبية رفيعة. تحكى أنّما بدأ كل شىء وانتهى داخل الرجل، دار حوارٌ فجدالٌ فصراع، وعندما انتقل الصراع الداخلىُّ إلى الخارج، كانت النتيجة شخصا مخبولا بدأ بصراع مع نفسه، صراعا عبثيا بلا معنى، استحال عجزا عن العَيش فى العالم الحقيقى بالخارج.


هذا الرجل هو أنا. هو أنا قطعا وتأكيدا وبلا جدل.. وأحاول بإصرار أن "أنتصر" فى "معاركى" الوهمية كل يوم، أتخيل أصدقاءَ وهميين وأعداءً وهميين وحلفاءَ وهميين، وجيوشا وفيالق وفرسانا ومشاة وقلاعا وأبراجا، وأنال مجدا وهميا أمنحه لنفسى، وتنهال علىّ هزائمُ وهمية إياها أدكُّ بها حصونى، وأنهار باكيا على أطلال دولتى التى ليس لها أى وجود.


والناتج المعروف فى عالم الواقع، هو الفشل والتعطل وخوف الآخرين، وقلة فى الصحة والرزق، والمزيد والمزيد من القهوة والدخان..


إذ طاف بخاطرى منذ يومين أو ثلاثة فكرة عقد الصلح مع نفسى، تخيلت أننى أرغب فى الذهاب إلىّ فى عقر دارى، رافعا الراية البيضاء، منكّس الرأس، وربما حاملا كفنى كما يفعل المطاردون من أصحاب الثأر فى الصعيد، كى أتداعى إلى نفسى بالصلح، وأنهىَ الحربَ الطاحنة التى تدور بالداخل، وأعلنَ على الملإ استسلامى دون شروط.


ولكن العقبة الحقيقية هنا، أننى حاولت بداخلى البحث عمّن سأقدم له عرض الصلح.. ولم أجده حتى الآن.

الاثنين، 11 مارس 2013

شهادة وفاة

يبدو أننى أهتم بالفناء أكثر من البقاء.

استقبلت خبر وفاة جدى رحمه الله، أول أمس، ومعه احتراق جزء من مبنى الجريدة التى أعمل بها ببلادة غريبة. وبعد أن بدأت فى لملمة كسور نفسى بعد الاستيقاظ (هو طقس يومى أمارسه قد يستغرق ساعات) بدأت فى استيعاب وفهم الأمور شيئا فشيئا.


وعندما اتصلت بعمتى لأعرف كيف ستجرى الأمور، وجدت نفسى أبكى بحرارة، وبصدق: لا أعلم هل كنت أبكى عليه، أم عليه باعتباره أبا لأبى الراحل، أم على نفسى. ولعله الثلاثة معا.


ثم اكتشفت بالأمس وأول أمس أن مشاعرى لا تحيا إلا بذكرى الموت، وبذكرى ما فات ومات ولن يعود، وبالماضى الذى ولّى إلى الأبد.


لو كنتم تذكرون، كنت كتبت أننى أصبت بحنين مرضىّ إلى الماضى، من ذكريات الطفولة المبكرة حتى أولى سنين الثورة. اختفى الأمر لفترة ثم عاد مجددا وبشكل أعنف، حتى إننى صرت راغبا، حقا وصدقا، فى آلة زمن.


جلست أمس مع عمتى فى غرفة جدى، وشردت وتأملت ثيابه ومتاعه القليل، الذى لا يزيد عن الأدوية بالطبع إلى جانب طاقم أسنان ومذياع، ورقمَىْ هاتف كُتبا بخط كبير على الحائط، ثم طفا إلى ذهنى أنه من الخطإ التواجد فى غرفة المتوفى حديثا. لعلنى أعتبر سبب ذلك: أن الموت لا يزال حيا، ولا يجوز إزعاجه! وتذكرت غرفة أبى التى ظلت مغلقة بعد رحيله لفترة ربما زادت على الشهر أو الشهرين.


طفت بأجزاء من حى الزيتون، مقر الأسرة، واستعدت ذكريات ثمينة، أعلم أنها لا تعنى غيرى، ولكن ماذا تقول لامرئ يشتاق - كالمدمنين فى أفلام الثمانينات - للعودة إلى زمن كان أبوه فردا خارقا، ينفذ كل ما يرغب به، ويركب بجانبه فى سيارة جيئة وذهابا لمنزل الجد، دون أن يدرك شيئا عن جحيم المواصلات العامة الذى يتنظره فى المستقبل؟


لظروف ما، قررت العودة لمنزلى مشيا من حلمية الزيتون إلى الحى الذى أقطنه. شققت طريقى إلى طريق صلاح سالم، ومشيت كالجندى ثابت الخطوات. ومرة أخرى: يولد الموت ويحيا الفناء ويوجد العدم، عندما فوجئت بمشاعرى وخيالى وحواسى كلها تنتعش عندما مررت "بمجمع المقابر" المعروف هناك. رأيت مقابر تعود للثلاثينات والأربعينات، كلها على المعمار الإسلامى الذى يثير فىّ شجنا وحنينا رهيبا، يتصاغر إلى جانبه حزنى على مبانى القاهرة الخديوية بوسط البلد. صدقنى: الأمر يزيد عن مجرد الإعجاب بالشكل والطابع والطراز. هذه الأماكن تتكلم! هذه الأماكن تتنفس! ليس اسم المتوفى المكتوب على القبر كتابة وكفى بل كيانا محسوسا ملموسا لا يقدر بمال.


ليست أهمية الذكرى (بكل ما تعنيه الذكرى سواء أكانت تاريخا أم ذكريات شخصية أو غيره) فى محتواها. أهميتها وسحرها فى أنها ذكريات، وكفى! فى أنها ماتت وانتهت.. وأنها لن تعود أبدا. حتى لو كان طعاما قذرا كنت تأكله فى مكان ما، أو سيجارة محلية رديئة دخنتها فى يوم قائظ فى مكان منفر مزدحم مزعج. لعله لو وجدت بالفعل آلة الزمن وعدت لما أحن إليه لما وجدت ما أروم.

الاثنين، 28 يناير 2013

الخروج


لا أذكر السن الذى فيه يتوقف الإنسان عن النمو: الخامسة والعشرون أو الثلاثون أو الأربعون؟ يتكلم الأطباء عن ذلك بالتفصيل وبكلام أدق.
فى هذا العام يُفترض أن أتمَّ الثلاثين من عمرى، وأشعر بذلك التداعى والتدهور البطىء الرهيب: علامات صغيرة لا تكاد تذكر أعلم أنها ستتفاقم وتتفاقم ببطء مرعب لا يُلاحظ ولا يُرى، وهذا مكمن خبثه. فى الجلد والشعر والأسنان، وفى الصداع اليومى، وفى البطن، وفى النوم الذى صار رفاهية، وفى الاكتئاب الذى كان عارضا فأمسى أبديا، وجزءا أصيلا منى كالعين والأذن والقلب والعظام.
والمضحك هنا أنى أشعر بذلك ولمّا أبلغْ بعدُ مرحلة التدهور الحقيقى، كالسكرى وأمراض القلب والشرايين والأعصاب والعظام وغيرها..
تتوقف عن النمو، فيزداد الهدم على حساب البناء. وبذلك البطء المخيف يتحول جسدك الذى يفترض أن به يمارس كيانك إرادتك، إلى عبء.. عبء حقيقى ترغب بالتخلص منه، بل تشعر بأنه لا يمت إليك بأية علاقة أصلا. هل النفس هى الجسد؟ أم هو جزء منها؟ أم هى مستقلة عنه بالتمام؟
لا أعلم، ولكنما أثق أنى أريد الخروج من جسدى والاستقلال عنه، ولكنْ لا أعرف وسيلة للخروج منه غير الموت.