الأربعاء، 13 نوفمبر 2013

معدن أسود - 4 - التمام أو الخيلاء

هذه بكائية، ولكنى من جعلها بكائية. يقولون إن الفن ذو طرفين: صانعه ومدركه، ومدرك الفن سمعا أو بصرا يشارك فى العمل بشكل من الأشكال، إذ أن كل امرئ يستقبل العمل بذوقه الخاص، ويضيف إليه أبعادا، عمقت أو ضحلت، حسب رؤيته الشخصية. لا أعلم إن كان هذا صحيحا أم خطأ أم بينَ بينَ، لكنه يبدو لى صحيحا تماما مع هذه المعزوفة بالذات.

بعض ما سمعت أضفت إليه مشاهد من خيالى حسبما أوحت إلىّ به الموسيقى، وربما تكون المشاهد مغايرة تماما لما قصده صانعها، أما البعض الآخر فهو يجلب لى مشاهد جاهزة من عالم الواقع، طبقا لظروف أو ذكريات محددة سمعت الموسيقى أثناءها. كم منا عند سماعه أغنية ما، تقفز على الفور إلى ذهنه مشاهدُ كبيت أقام فيه أو شارعٌ اعتاد المرور عبره أو حبيبة قديمة؟

وقبل أن أخوض فى التفاصيل، أقول: إن الألبوم الذى تضمن هذه الأغنية هو أول ألبوم لـ "ديموبورجير" يستبدلون فيه بالأصوات الإلكترونية للوتريات والإنشاد والآلات النحاسية، فرقة أوركسترا حقيقية. وفى رأيى لم تكن التجربة فى هذا الألبوم بالغة النضج، فلم تعجبنى إلا أغان قليلة فيه - منها هذه المعزوفة بالطبع - أما التجربة الحقيقية فهى فى الألبوم الأسطورى المهيب الذى تلاه مباشرة، وسوف يكون لنا معه الكثير من الكلام لاحقا.

شكل المعزوفة بسيط جدا. أولا هى موسيقى بلا غناء، وتتألف من جملتين متعاقبتين لا مزيد، وتتكرران عدة مرات، حتى يخفت الصوت تدريجيا وتنتهى. وفى نهايتها وُضِعَت إضافة بسيطة، هى مصاحبة بآلات الكمان فى "أُكتاف" حاد. هذه الأغنية بسبب ظروف سماعها الطويلة والمعقدة عندى، التى تعتق من داخلى كل ما هو ذو عاطفة بلا عقل، لن أستطيع أن أذكر كم مرة أجبرَتْ عينىّ على الدمع أو الشروع فى البكاء.. وبالأخص: فى جملتها اللحنية الثانية.. وبالأخص: تعاقب آخر نغمتين فيها فى طبقة القرار، "رى بيمول" ثم "دو" التين يعزفهما جيتار الباص والإتشلو.

ماذا أقول عنها؟

تعرفت فرقة ديمو بورجير منذ بدايات العام 2011، وجعلت أستكشف موسيقاهم بالتدريج، ولا زلت أستكشفها وأتمتع بها حتى الآن. لكن هذه الأغنية أتت فى ظروف ما، ولا أعلم هل أتت لأن الظروف هى من استدعاها، أم أن سماعها هو الذى الذى تسبب فى تلك الظروف؟ حقا هل تستطيع الأغنيات تغيير الواقع؟ أم أننى أهذى؟

كلما سرت فى طريق المحاولة الدؤوبة لأكون رساما أفضل، ازدادت عيناى حساسية، وازداد القبح الذى أراه، الذى لم أكن أنتبه له.. وهذه الأغنية أتت فى وقت أفقت فيه فجأة على الكارثة المدنية التى نحياها، عندما أسير فى شوارع وسط البلد لأرى تحفا فنية أسطورية استحالت مسوخا.. لأستمع إلى هذه الأغنية تخيلا أو أستمع إليها حقا بسماعات الرأس، وفهمت بشكل واقعى عملى ما الذى يعنيه "البكاء على الأطلال" الذى أجاده عرب الجاهلية.

مع هذه الأغنية أستعيد ذكرى ثورة وئدت حية، وبأبشع الطرق الممكنة، كلما مشيت فى تلك الشوارع.

مع هذه الأغنية أستعيد وجوه عدد من أصدقاء أحبهم بلا مقابل، ويحبوننى بلا مقابل، الأمر الذى يملؤنى قلقا وحزنا وخوفا على أيام حتمية المجىء، يوم أكف أن أراهم فى تلك الأمكنة.

مع هذه الأغنية أرى وجها لفتاة ذات وجه طفولى جميل وعينين واسعتين، سرنا سويا عبر شوارع وسط المدينة، أو شوارع الأغنية نفسها! فتاة علاقتى بها شديدة الاضطراب، ولعلها علاقة تحتضر الآن.

التمام أو الخيلاء.. هى معزوفة قصد بها كاتبوها أشياء، حولتها أنا أشياءَ أخرى مختلفة تماما، حتى إنى أعتبر نفسى، بشكل ما، كاتبها.

http://www.youtube.com/watch?v=onaF93-NpFE

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق