الأحد، 12 يناير 2014

معدن أسود - 5 - أبناء الظلام الشمالىّ

هذه المرة نستعرض مجلدا كاملا، لا أغنية واحدة. وهو واحد من المجلدات القليلة التى تجد أغنياتها وحدة واحدة متكاملة، بلا ركاكة أو ضعف فى أى من أركانها، ولن تضطر لتجاوز أغنية أو اثنتين، بل إنك ستعجز عن إيقاف تشغيل تلك الملحمة المهيبة إذا شرعت فى الاستماع! إنها ثمانية أغنيات عظيمة، تحت اسم "أبناء الظلام الشمالى".

وقبل الوصف الذى اعتدنا قوله، علينا الإشارة للسيد "أُلْفِى أيكيمو"، الذى سمّى نفسه بالاسم المعروف: "أَبَاث دُوم أُوكُلْتا". إنه النرويجى الرهيب الذى لا يتوقف عند كونه مجرد مغنٍ وكاتب موسيقى عظيم، بل إنه بلا جدل واحد من مؤسسى المعدن الأسود ومن أعظم رموزه. ولعل من أكثر ما يميزه ذلك الدهان الأبيض والأسود الذى يلطخ به وجهه فى الحفلات وقبل التصوير، وتعمده إخراج لسانه للجمهور وللمِصْوَرَة عندما تسيطر عليه الحماسة، ونفخه النيران من فيه بشعلة صغيرة ووقود يملأ به فمه كما يفعل بعض فرق الاحتفالات الشعبية فى كثير من البلدان، وهو الأمر الذى يثير جنون جمهوره فى المسرح!

هذا الرجل ذو صوت مرعب، ذو قعقعة معدنية لا مثيل لها على الإطلاق بين مغنى فرق المعدن الأسود.. صوت لا مثيل له بين بنى البشر، وما كان لغير هذا الرجل أن يكون له صوت كهذا. والأهم من حنجرته الإبليسية، هى موسيقاه. فهو ليس ككثير من أقرانه، مجرد مغن للفريق و"رجل مقدمة" بينما يقوم الآخرون بمهمة الكتابة وتأليف الكلمات والعزف، لكنه يكتب الموسيقى ويكتب الكلمات ويعزف ويغنى ويؤدى أداء جنونيا على المسرح، حوّله رمزا يشار إليه بالبنان فى عالم المعدن عموما.

هل تكفى الكلمات لمدح هذا المجلد العظيم؟ لا أظن.. وفى الأصل أنما لا تكفى الكلمات لوصف الموسيقى، ولو كان هذا ممكنا لما أوحى الله للبشر بخلق الموسيقى من الأصل.

ربما يكفى ذكر اسم الأغنية على عجل وذكر ما تيسر من الكلام حولها. الافتتاحية هى "واحدا وراء الآخر"، ذات الضحكة المعدنية السوداء الرهيبة التى يلقيها أباثُ فى منتصفها، و"أبناء الظلام الشمالى" التى تحمل مقدمتها واحدة من أعظم الصرخات المعدنية التى يمكن أن يستمتع بها أى رأس معدنى أصيل، و"طواغيت" ذات الكبرياء، و"وكر الشياطين"، و"بداخل العقل المظلم"، و"فى مملكتى باردا" وهى ملحمة عظيمة لا مثيل لها ولا شبيه ولا ند ولا مثال، بل هى من فرط عبقريتها قادرة على إشعارك بالبرودة فى ظهرك، واستدعاء عواصف الثلج القطبية فى دقيقة واحدة! و"أنتركتيكا"، وأخيرا: "بعد موجات الشمال" ختاما لهذا المجلد العظيم.

فى العادة وكما جرى العرف، فالمعدن الأسود حزن نقى صاف. ولكن مع فرقة "أَبَدِىّ" يختلف الأمر.. إنهم يضيفون إلى الحزن شيئا آخر، هو حزن حنين. أى: حنين لأمجاد قومهم القدامى، وحنين لكل ما خرجت به أرضهم، وهى الجبال الشاهقة السامقة، والعواصف الجليدية العارمة التى تفزع كل سكان الأرض عداهم فهم أبناؤها، والبرد الزمهرير الذى لا يبهج غيرهم فهم لا ينشطون إلا فيه، والغربان السوداء التى تتأمل الأفق الأبيض. اسمع أغنياتهم ستسمع هذا الحنين، الذى يأتى كثيرا أو غالبا، فى صورة صرخات استدعاء آمرة، تقول لشتاء القطب أن يأتى! هل تذكرون إذ قلت لكم إنّى أشعر أحيانا بأن الأغانى تغير من الواقع؟ هذا على الأرجح كلام عابث.. ولكن لماذا لعبت الصدفة دورها، عندما لم أبدأ بسماع هذا المجلد إلا فى أشد أيام الشتاء برودة؟

http://www.youtube.com/watch?v=eAlSKr5_XEo

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق