الخميس، 5 سبتمبر 2013

كَلاَش!


أرى هذا اللقاء بين هذين الرجلين، لقاء تاريخيا بحق!
وأهميته التى أراها تأتى من رمزيته، لا لشىء آخر.
الرجل الجالس على اليمين هو "يوجين ستونر"، مصمم البندقية الهجومية الأمريكية الشهيرة "م-16"، التى صممها فى أواخر الخمسينات ليعتمدها الجيش الأمريكى فى الستينات "بندقية خدمة" أو السلاح الخفيف الرئيسى الذى يستخدمه غالبية عسكر الجيش. البندقية م-16 بندقية ممتازة لا ريب، فهى خفيفة الوزن، وسهلة الاستعمال، وذات معدل نيران عالٍ، ودقيقة التصويب.. وقاتلة. لكن كل هذه المميزات تراجعت أمام عيب خطر، وهو حاجتها المستمرة للفك والصيانة فى قلب ميدان القتال.
أما الجالس على اليسار، ذلك الرجل الضئيل ذو الوجه الوديع الهادئ، هو أسطورة السلاح النارى الخفيف فى العالم كله، مبتكر أشهر آلة قتل فى التاريخ، البندقية الآلية "أ ك 47".. إنه ميخائيل تيموفييفتش كلاشنكوف!
البندقية هى "أفتومات كَلَشْنِكُوفا 47"، ويعنى الاسم: بندقية كلشنكوف الآلية، والرقم 47 يشير للعام 1947الذى انتهى فيه الرفيق كلاشنكوف من تصميم بندقيته، وخضعت للاختبار الدقيق عامين حتى قرر الجيش السوفييتى الرهيب اعتمادها بندقية خدمة رئيسية لغالبية أفراده فى العام 1949. رصد العالم الغربى هذه البندقية لأول مرة يوم التدخل العسكرى السوفييتى فى عدد من دول أوروبا الشرقية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث حملها الجنود السوفييت زاحفين فى الشوارع، وبعدها شرعت الصين فى تصنيع البندقية لديها بعد اتفاق مع الاتحاد السوفييتى، ومن الصين انتشرت هذه البندقية، التى لا تخطئها العين، فى العالم كله.

ما السر فى اعتماد ما يقرب من نصف جيوش العالم، والغالبية العظمى من الثورات المسلحة وحركات التمرد وحتى رجال العصابات على البندقية أ ك 47؟
هى تجمع غالبية مميزات منافستها الأمريكية م-16، لكنْ أضف إليها اثنتين: الأولى رخص الثمن وسهولة التصنيع، والثانية وهى الأهم والأخطر: الاعتمادية! البندقية أ ك 47 قادرة على إطلاق الرصاص بعد غمرها فى الماء، بل إنها تعمل غاطسة فى الماء بلا مشاكل، ويمكنك أن تحشوها بالرمال والتراب والطين وستستمر فى العمل رغم ذلك وكأن شيئا لم يكن. أضف إلى ذلك أن عيارها 7.62x39 ملم (وهى من أولى البنادق التى تعتمد هذا العيار) قادر على اختراق ألواح الخشب والألواح المعدنية، قاتلا من يحتمى خلفها. حقا هذا العيار أقل مدى وأقل دقة من عيار البندقية الأمريكية وهو 5.56×45 ملم، لكنه أشد قوة وفتكا بكثير.
التقت البندقيتان أ ك-47 وم-16 فى واحد من أول اختباراتهما الميدانية الحقيقية فى حرب فيتنام. تسلح "المجاهدون" الفيتناميون بالبندقية السوفييتية، وتسلح عسكر المارينز بالبندقية الأمريكية، وخسرت الأخيرة المعركة أمام نظيرتها. تحملت الـ أك 47 الظروف القاسية فى أحراش فيتنام، ولم تتأثر بالماء أو المطر أو الطين أو التراب وعملت بمنتهى الكفاءة، أما الـ م-16 كانت تحت عناية مركزة مستمرة من الفك والصيانة والتنظيف والتركيب المستمر، بل إن معدلها العالى من النيران، الذى كان أعلى من معدل نيران نظيرتها السوفييتية، كان نقمة لا نعمة، حيث أدى إلى إهدار مخزون هائل من الذخيرة بسبب الطلقات الطائشة جرّاء هذا المعدل العالى، عندما كان الأمريك يتعرضون لهجوم فتنامى مباغت من قلب الأحراش. وكانت هذه الإخفاقات سببا فى إدخال تعديلات عديدة على الـ م-16 وإنتاج مشتقات محسنة منها بعد ذلك، بينما خرجت الـ أ ك 47 من المعركة رافعة الرأس!
لماذا انبهرت إذ رأيت هذا اللقاء؟
السبب الأولىّ هو أنه إذا افترضنا أن البندقيتين الشهيرتين تمثل كل منهما الأمة السوفييتية والأمة الأمريكية، التين تطاحنتا فى حرب باردة (هى فى الواقع لم تكن باردة قط!) على ما يقرب من نصف قرن، فها نحن نرى ممثل الأمة السوفييتية يلتقى ممثل الأمة الأمريكية فى التسعينات، ويجلسان على مائدة واحدة يتبادلان حديثا وديا بعد كل هذا. أما السبب الثانى لانبهارى، فهو قائم على المعلومة الآتية: صنع من البندقية السوفييتية (بطرزها الأصلية والمحسنة والمعدلة) حوالى مائة مليون قطعة، أما الأمريكية فصنع منها حوالى عشرة ملايين بمشتقاتها. وهذين العجوزين اللطيفين المبتسمين، الذين قد يخالهما المرء موظفين متقاعدين يجتران ذكريات اللطيفة، هما فى حقيقة الأمر صانعا اثنتين من آلات القتل، فتكتا - على الأقل - بملايين البشر فى حروب بدأت منذ منتصف القرن الماضى، ولا تزالان مستمرتين فى القتل حتى الآن!

عبد الرحمن نجم الدين

للاستزادة:
http://www.youtube.com/watch?v=8jsMyg9NwBc

(نشر على فيسبوك بتاريخ  9/7/2013)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق