الاثنين، 1 أبريل 2013

الغزو من الداخل

"تصالح مع ذاتك". قرأت تلك العبارة وسمعتها كثيرا فى كتب ومقالات ومحادثات، ولم أفهمها قط. بخلاف غيرها مما كنت لا أفهمه، لم أتعامل معها باستخفاف وسخرية من ناحية، أو بخوف وتطير من ناحية أخرى، وهذا ما يصاحب ما نجهله عادة.. كنت أستقبلها بحياد تام.

وأظننى الآن، بدأتُ أفهم المعنى..


قد أصفه بنكتة قالها صديق دراسةٍ وأنا طفل فى المرحلة الإعدادية، وتقول النكتة: تعطلت عربة شخص ما فى بقعة مقفرة، ووقف الرجل بجانبها حائرا ماذا يفعل. فإذا به يشاهد بيتا بعيدا، فيقرر الذهاب إليه طالبا إجراء مكالمة هاتفية، ولكن الرجل تراجع عن الفكرة، إذ توقع أن يرد صاحب البيت: هذا بيتٌ لا مركزُ اتصالات! فقرر أن يسأله المبيت حتى الصباح، فتراجع أيضا إذ توقع أن يرد عليه: هذا بيت لا فندق! فقرر أن يسأله بعض الطعام، فتراجع مرة أخرى متوقعا الرد: هذا بيت لا مطعم! هنا قرر صاحب العربة أن يتوجه إلى البيت وقد عقد أمرا.. طرق الباب ففتح له صاحب البيت. وبمجرد أن انفتح الباب صرخ بوجه الرجل بغضب شديد: "لن أطلب منك شيئا"!!


هذه النكتة - ولعل أصلَها قصةٌ قصيرة أو شىءٌ من هذا القبيل - أراها قطعة أدبية رفيعة. تحكى أنّما بدأ كل شىء وانتهى داخل الرجل، دار حوارٌ فجدالٌ فصراع، وعندما انتقل الصراع الداخلىُّ إلى الخارج، كانت النتيجة شخصا مخبولا بدأ بصراع مع نفسه، صراعا عبثيا بلا معنى، استحال عجزا عن العَيش فى العالم الحقيقى بالخارج.


هذا الرجل هو أنا. هو أنا قطعا وتأكيدا وبلا جدل.. وأحاول بإصرار أن "أنتصر" فى "معاركى" الوهمية كل يوم، أتخيل أصدقاءَ وهميين وأعداءً وهميين وحلفاءَ وهميين، وجيوشا وفيالق وفرسانا ومشاة وقلاعا وأبراجا، وأنال مجدا وهميا أمنحه لنفسى، وتنهال علىّ هزائمُ وهمية إياها أدكُّ بها حصونى، وأنهار باكيا على أطلال دولتى التى ليس لها أى وجود.


والناتج المعروف فى عالم الواقع، هو الفشل والتعطل وخوف الآخرين، وقلة فى الصحة والرزق، والمزيد والمزيد من القهوة والدخان..


إذ طاف بخاطرى منذ يومين أو ثلاثة فكرة عقد الصلح مع نفسى، تخيلت أننى أرغب فى الذهاب إلىّ فى عقر دارى، رافعا الراية البيضاء، منكّس الرأس، وربما حاملا كفنى كما يفعل المطاردون من أصحاب الثأر فى الصعيد، كى أتداعى إلى نفسى بالصلح، وأنهىَ الحربَ الطاحنة التى تدور بالداخل، وأعلنَ على الملإ استسلامى دون شروط.


ولكن العقبة الحقيقية هنا، أننى حاولت بداخلى البحث عمّن سأقدم له عرض الصلح.. ولم أجده حتى الآن.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق