الخميس، 12 سبتمبر 2013

معدن أسود - 2 - تيراس

"يا تيلوس (تيراس)، لقّبتكِ بعاهرة الأرض،
إنّ الوباءَ والنحسَ هم نَدَبَاتُك.
اهْوَىْ ممزقةَ الجسدِ واكتبى كلمة النهاية
واسحبى جثتكِ المحتضرة إلى الظلام."

عادة لا أعبأ بقراءة كلمات الأغانى، وأفضل الاستماع، مكتفيا بالموسيقى التى تلقى بداخلى ما هو مطلوبٌ قولُه، خاصة أن غالبية الكلمات التى قرأتها تختلف كثيرا عما توقعته فيها وحيا من الموسيقى، وكذلك أننى أجد مواهبَ أفراد الفرق الشعريةَ أقلَّ بكثير من مواهبهم الموسيقية، فكم من أغنية عظيمة أسطورية موسيقى، ضعيفة ركيكة كلماتٍ، وربما بلا معنى واضح.

وأغنية اليوم لا تزيد عن مقدمةٍ للألبوم، فهى أكثر بقليل من دقيقتين، ومجرد تمهيد للأغنية الثانية "جواد أشهب" (وهى أغنية جليلة). ثم نجد لحن أغنية المقدمة هذه مكررا مرة أخرى فى نهاية آخر أغنية من المجلد، وهى أغنية "شمعة الوجود الذابلة".

وتيراس أغنية صغيرة بسيطة التكوين، بطيئة الإيقاع وهو أقل بكثير من مائة نبضة فى الدقيقة، وفيها لحن أول يُذكر عبره اسم الأغنية عدة مرات بغناء جماعى، يليها لحن ثان يقول فيه كرستوفر أولفيوس كلمات الأغنية القليلة، ثم يعود اللحن الأول، مضافا إليه مصاحبة بسيطة بالجيتار الكهربى، وهى مصاحبة كفيلة بتمزيق قلبى كلما سمعتها.. خاصة أنها تبدأ مع صرخته الطويلة قائلا: إلى الظلام.

انطباعى، أو الصورة التى شكلتها فى ذهنى بمجرد السماع دون قراءة الكلمات، أن تيراس هذا إله وثنى آمن به جماعة من البشر، وأن الأغنية تدور بينما مجموعة من الناس شاحبى الوجوه، شحوبا طبيعيا أو طلَوْا أجسادهم باللون الأبيض، منهم الرجال والنساء، يبتهلون ويتضرعون إلى ربهم الوثنى هذا طامعين فى تخليصه إياهم. ولا يهم مم يخلصهم، فمن يطمع فى الخلاص من شىء ما، ويطلب خلاصا من إله أو من يقوم منزلته، فهذا الشىء بالضرورة جحيم أو أشر منه.

وكانت المصادفة لطيفة إذ عرفت أن تيلوس أو تيرا هى ربة الأرض عند الروم القدماء. لكن أولفيوس لا يطلب منها الخلاص، إنه يصفها بأقذع الصفات، فيأمرها بالانصراف إلى عالم النسيان ساحبة جثتها. ورغم اختلاف هذه الكلمات مع الصورة الخيالية التى رسمتها فى ذهنى، وهى صورة مأساوية، فيمكن رغم كل شىء ربط هذا بذاك. إن الأشخاص الذين يطلبون الخلاص من ربة الأرض، قد يكون بأن تنتحر الأرض نفسها، وتضع نهايتها، وتخلص نفسها من الوباء والنحس، وتخلص هؤلاء الشاحبين اليائسين، بأن تقتلهم معها. ولا داعى لأن أقول إننى لا ريب، واحد من أولئك الشاحبين، أو على الأقل لدى الخيار فى الانضمام إليهم بالدعاء بالخلاص.

http://www.youtube.com/watch?v=zIkwrF9Ltek

الخميس، 5 سبتمبر 2013

كَلاَش!


أرى هذا اللقاء بين هذين الرجلين، لقاء تاريخيا بحق!
وأهميته التى أراها تأتى من رمزيته، لا لشىء آخر.
الرجل الجالس على اليمين هو "يوجين ستونر"، مصمم البندقية الهجومية الأمريكية الشهيرة "م-16"، التى صممها فى أواخر الخمسينات ليعتمدها الجيش الأمريكى فى الستينات "بندقية خدمة" أو السلاح الخفيف الرئيسى الذى يستخدمه غالبية عسكر الجيش. البندقية م-16 بندقية ممتازة لا ريب، فهى خفيفة الوزن، وسهلة الاستعمال، وذات معدل نيران عالٍ، ودقيقة التصويب.. وقاتلة. لكن كل هذه المميزات تراجعت أمام عيب خطر، وهو حاجتها المستمرة للفك والصيانة فى قلب ميدان القتال.
أما الجالس على اليسار، ذلك الرجل الضئيل ذو الوجه الوديع الهادئ، هو أسطورة السلاح النارى الخفيف فى العالم كله، مبتكر أشهر آلة قتل فى التاريخ، البندقية الآلية "أ ك 47".. إنه ميخائيل تيموفييفتش كلاشنكوف!
البندقية هى "أفتومات كَلَشْنِكُوفا 47"، ويعنى الاسم: بندقية كلشنكوف الآلية، والرقم 47 يشير للعام 1947الذى انتهى فيه الرفيق كلاشنكوف من تصميم بندقيته، وخضعت للاختبار الدقيق عامين حتى قرر الجيش السوفييتى الرهيب اعتمادها بندقية خدمة رئيسية لغالبية أفراده فى العام 1949. رصد العالم الغربى هذه البندقية لأول مرة يوم التدخل العسكرى السوفييتى فى عدد من دول أوروبا الشرقية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث حملها الجنود السوفييت زاحفين فى الشوارع، وبعدها شرعت الصين فى تصنيع البندقية لديها بعد اتفاق مع الاتحاد السوفييتى، ومن الصين انتشرت هذه البندقية، التى لا تخطئها العين، فى العالم كله.

ما السر فى اعتماد ما يقرب من نصف جيوش العالم، والغالبية العظمى من الثورات المسلحة وحركات التمرد وحتى رجال العصابات على البندقية أ ك 47؟
هى تجمع غالبية مميزات منافستها الأمريكية م-16، لكنْ أضف إليها اثنتين: الأولى رخص الثمن وسهولة التصنيع، والثانية وهى الأهم والأخطر: الاعتمادية! البندقية أ ك 47 قادرة على إطلاق الرصاص بعد غمرها فى الماء، بل إنها تعمل غاطسة فى الماء بلا مشاكل، ويمكنك أن تحشوها بالرمال والتراب والطين وستستمر فى العمل رغم ذلك وكأن شيئا لم يكن. أضف إلى ذلك أن عيارها 7.62x39 ملم (وهى من أولى البنادق التى تعتمد هذا العيار) قادر على اختراق ألواح الخشب والألواح المعدنية، قاتلا من يحتمى خلفها. حقا هذا العيار أقل مدى وأقل دقة من عيار البندقية الأمريكية وهو 5.56×45 ملم، لكنه أشد قوة وفتكا بكثير.
التقت البندقيتان أ ك-47 وم-16 فى واحد من أول اختباراتهما الميدانية الحقيقية فى حرب فيتنام. تسلح "المجاهدون" الفيتناميون بالبندقية السوفييتية، وتسلح عسكر المارينز بالبندقية الأمريكية، وخسرت الأخيرة المعركة أمام نظيرتها. تحملت الـ أك 47 الظروف القاسية فى أحراش فيتنام، ولم تتأثر بالماء أو المطر أو الطين أو التراب وعملت بمنتهى الكفاءة، أما الـ م-16 كانت تحت عناية مركزة مستمرة من الفك والصيانة والتنظيف والتركيب المستمر، بل إن معدلها العالى من النيران، الذى كان أعلى من معدل نيران نظيرتها السوفييتية، كان نقمة لا نعمة، حيث أدى إلى إهدار مخزون هائل من الذخيرة بسبب الطلقات الطائشة جرّاء هذا المعدل العالى، عندما كان الأمريك يتعرضون لهجوم فتنامى مباغت من قلب الأحراش. وكانت هذه الإخفاقات سببا فى إدخال تعديلات عديدة على الـ م-16 وإنتاج مشتقات محسنة منها بعد ذلك، بينما خرجت الـ أ ك 47 من المعركة رافعة الرأس!
لماذا انبهرت إذ رأيت هذا اللقاء؟
السبب الأولىّ هو أنه إذا افترضنا أن البندقيتين الشهيرتين تمثل كل منهما الأمة السوفييتية والأمة الأمريكية، التين تطاحنتا فى حرب باردة (هى فى الواقع لم تكن باردة قط!) على ما يقرب من نصف قرن، فها نحن نرى ممثل الأمة السوفييتية يلتقى ممثل الأمة الأمريكية فى التسعينات، ويجلسان على مائدة واحدة يتبادلان حديثا وديا بعد كل هذا. أما السبب الثانى لانبهارى، فهو قائم على المعلومة الآتية: صنع من البندقية السوفييتية (بطرزها الأصلية والمحسنة والمعدلة) حوالى مائة مليون قطعة، أما الأمريكية فصنع منها حوالى عشرة ملايين بمشتقاتها. وهذين العجوزين اللطيفين المبتسمين، الذين قد يخالهما المرء موظفين متقاعدين يجتران ذكريات اللطيفة، هما فى حقيقة الأمر صانعا اثنتين من آلات القتل، فتكتا - على الأقل - بملايين البشر فى حروب بدأت منذ منتصف القرن الماضى، ولا تزالان مستمرتين فى القتل حتى الآن!

عبد الرحمن نجم الدين

للاستزادة:
http://www.youtube.com/watch?v=8jsMyg9NwBc

(نشر على فيسبوك بتاريخ  9/7/2013)

معدن أسود - 1

"استمعوا إلىّ الآن. لعلّما نقدّر الإجرام لو كان يجلب الرضا بشكل ما"
هذه الكلمات هى مطلع أغنية "الوحشية التى جَلَبْتِها أَزُهُورَ الأُركيد".
لم أحبِبْ فرقة "مهد النتانة" البريطانية على الإطلاق، رأيى فيها هو رأى غالبية جمهور المعدن، أنهم يهتمون أكثر بالجوانب الاستعراضية وهيئتهم الخارجية وشكل المسرح فى حفلاتهم، أكثر بكثير من موسيقاهم نفسها.

لكن هذه الأغنية بالذات تحمل لى ذكريات وقصص ومشاهد كابوسية سأظل إياها حاملا إلى القبر. هل تتصور أحدا يموت أبوه فيستمع لهذا الصنف من الموسيقى عوضا عن القرآن؟ استمعت لهذه الأغنية - حقا وصدقا - طوالَ نهارات أسبوعين كاملين تقريبا، وربما أكثر. هذه الأغنية رائعة بمقاييس المعدن الأسود بالطبع (رغم رداءة غالبية أغانى الألبوم)، لكنها عندى اكتسبت أبعادًا مرعبة أخرى. ظلت أنغامُها طوال أسبوعين مختلطة ببرد شديد فى منتصف الشتاء، وأصواتِ بكاء ونحيب، وسعىٍ بداخل ثلاجات المشرحة، وبشرٍ أو أشباه بشر كمسوخ متناهية البشاعة، وصلاةِ الجنازة، وتشييعِ الميت، وأخيرًا طقوسِ الدفن.

لم أقرأ كلمات الأغنية، لكنى ترجمت موسيقاها لمشاهدَ هى بالطبع لا علاقة لها بغرضها، لكنها تناسبنى تماما. رأيت صورة ممر طويل أبيض، ورجل يعدو بداخله هاربا من شىء يطارده، وعلى التوازى رجل آخر يرقد فى فراشه مستسلمًا، ونفس الذى كان يطارد الرجل الأول، وهو الموت، يطوف على الفراش ناظرًا الرجل. أما رجلنا هذا الراقد على الفراش، فكان يبتسم بهدوء، ويمد يديه لتمسكا بيدىِ الموت، وأجنحة هذا تطوق الفراش. لعله أدرك وفهم أن الموت ذا الأجنحة ليس عدوا، بل إنه مخلّصه الوحيد.

وحتى الآن لا أعلم هل أبى الراحل هو أى الرجلين.

(أم هو الاثنان معا؟)

http://www.youtube.com/watch?v=hW8HpvsbOi4