الاثنين، 28 يناير 2013

الخروج


لا أذكر السن الذى فيه يتوقف الإنسان عن النمو: الخامسة والعشرون أو الثلاثون أو الأربعون؟ يتكلم الأطباء عن ذلك بالتفصيل وبكلام أدق.
فى هذا العام يُفترض أن أتمَّ الثلاثين من عمرى، وأشعر بذلك التداعى والتدهور البطىء الرهيب: علامات صغيرة لا تكاد تذكر أعلم أنها ستتفاقم وتتفاقم ببطء مرعب لا يُلاحظ ولا يُرى، وهذا مكمن خبثه. فى الجلد والشعر والأسنان، وفى الصداع اليومى، وفى البطن، وفى النوم الذى صار رفاهية، وفى الاكتئاب الذى كان عارضا فأمسى أبديا، وجزءا أصيلا منى كالعين والأذن والقلب والعظام.
والمضحك هنا أنى أشعر بذلك ولمّا أبلغْ بعدُ مرحلة التدهور الحقيقى، كالسكرى وأمراض القلب والشرايين والأعصاب والعظام وغيرها..
تتوقف عن النمو، فيزداد الهدم على حساب البناء. وبذلك البطء المخيف يتحول جسدك الذى يفترض أن به يمارس كيانك إرادتك، إلى عبء.. عبء حقيقى ترغب بالتخلص منه، بل تشعر بأنه لا يمت إليك بأية علاقة أصلا. هل النفس هى الجسد؟ أم هو جزء منها؟ أم هى مستقلة عنه بالتمام؟
لا أعلم، ولكنما أثق أنى أريد الخروج من جسدى والاستقلال عنه، ولكنْ لا أعرف وسيلة للخروج منه غير الموت.

الثلاثاء، 22 يناير 2013

نظرة واحدة أخيرة


كانت جميلة. ووجهها كان شفافا رقيقا كما رأيتها من قبل عدة مرات، ولم أعلم إلا الآن، أن سر تلك الشفافية العارضة هو الحزن.. ولا شىء غيره.

كان الدمع يتبضّع فى عينىّ، ومنع سقوطَه الشارعُ المزدحم، والأصواتُ المنكرة البشعة التى تحيط بنا من كل جانب.. لمحتْ ذلك وربتتْ على كتفى الأيسر، فازداد قلبى تمزقا.

كانت أتت لى بفطيرة صغيرة كهدية بسيطة، ولا أفهم كيف تأتى لى فتاة كهذه بهدية يُطلب منى أن آكلها.. لعلما ذلك خير من أن تعطينى شيئا دائما، كوشاح مثلا.. كان سيقذف بوجهى على الدوام عقدةَ الذنب التى ستطاردنى حتى آخر العمر. عقدة الذنب التى تطاردنى تجاه كل من أحببت، وأولهم أبى الراحل، الذى مات معه جزء منى يوم مات.

تبادلنا كلماتٍ قليلة جدا، فلم يكن عندى أو عندها ما يكفى من الكلام أو القدرة عليه، وربتت على كتفى تربيتة ثانية وأخيرة، قبل أن تحسمَ أمرها، وتنظرَنى نظرة بعينين صافيتين واسعتين جميلتين كم أحببتهما، فتنصرف محاولة إسراع الخطوات.. واختفت فجأة. حقا حاولت إلقاء نظرة عليها وهى تختفى ناحية الأفق، ولكنّى لم أجدْ لها أثرا، كأنها كانت شبحا.. نظرت إلى داخل الصيدلية المجاورة، ظانا أنها قد تكون دخلت لشراء شىء ما، ولم تكن بالداخل. قلت: هل كان الأمرُ حلما؟ أم أنها كانت وهما؟ أم أنّ الحزنَ يطيل الزمن فأعطاها فترة كافية لقطع مسافة واسعة؟ هل كنت أحلم يا نهى؟ أم أن حياتى بأكملها لا تزيد عن حلم، أو كابوس طويل لا يصحو منه المرء إلا بالموت؟ وهل الحب حلمٌ أم كابوس؟؟

وداعا، يا طفلتى الحبيبة.

http://www.youtube.com/watch?v=DoYPNYuSCSM