يطيب لى كثيرا الارتحال بخيالى بعيدا فى الزمان، فأرى نفسى جالسا فى مقهى بوسط القاهرة فى أواخر الستينات أو أوائل السبعينات، وأمامى زجاجة من البيرة المثلجة، وأغنية فرنسية تذاع، والوقت فى آخر النهار أو فى المساء. هى حالة حنين إلى ما لم أعشه قط، وهى ناشئة عن مزيج لن يخرج من وجدانى أبدا، تشكلت مما رأيته فى طفولتى المبكرة من مشاهد فى بيتى أو فى الشارع عند خروجى مع أسرتى، وما شاهدته وسمعته فى التلفزيون من أفلام أجنبية وأغان فى أواخر الثمانينات، وكل ما سبق لا أذكر عنه شيئا تقريبا إلا أشياء ضبابية مبهمة، لا أقدر على استحضار أى شىء واضح منها، ولا أذكر منها إلا كتل ألوان وإضاءات ما، وبعض الأصوات.
وبخصوص هذا الحنين إلى الماضى الذى لم أحْيَه قط، فالعامل الأكبر الذى نقله إلى هو أبى رحمه الله ومتعلقاته فى تلك الفترة، عندما كان فى العشرينيات من عمره. دفتر رسومه وأوراقه المتناثرة عندما كان طالبا بكلية الهندسة وفى بداية حياته، خاصة أعماله التى رسمها يومَ كان فى فرنسا، عندما سافر مع الكثير من الشباب فى سنه ليقص العنب فى مزارع الكروم هناك، ثم يعود ببعض الكلمات الفرنسية وعلبة تبغ "جولواز" وغيره، بالإضافة لأدواته الهندسية والفنية التى استخدمها وقتما كان طالبا وفى عمله، وبالطبع كتبه العديدة التى ورثتها عنه، وغير ذلك من المتعلقات.
كذلك لدى حنين جارف إلى عدة فترات تاريخية، أبرزها أوربا بعصر النهضة والباروك والكلاسيكى والرومانسى حتى القرن التاسع عشر، فأحب أن أتخيل نفسى فنانا تشكيليا أو موسيقيا. لا يتخيلَنَّ أحدكم ماذا ينتابنى عندما أرى رسما جميلا لألبرخت دورر أو لوحة لفرانز هالز أو رمبرانت أو كارافاجيو، أو أستمع لسوناتات البيانو لبتهوفن، أو سمفونياته أو افتتاحياته، أو بعض سوناتات باخ أو كنشرتات فيفالدى..! أقدر على تقمص هذه الأعمال بالكامل فأرى نفسى بشكل ما مبدعا لها!
أقول هذا وأنا أؤكد بأننى إنسان معاصر بكل ما تعنيه الكلمة.. محمل فوق طاقته - أو كما يقول الكلمة الإنكليزية: أوفرلودد - بالبيانات والمعلومات التى لا تنفك الآلة تنهال علينا بها يوميا بلا رحمة.
لكنى كلما خلوت لنفسى، سواء أكنت وحيدا أم وسط بشر، لا أقاوم رؤية نفسى أدخن لفافة تبغ وأشرب البيرة فى جروبى، فى ساعة ربيع أو خريف من العام 1970!
(كتبت على طملر بتاريخ 24 من مارس 2012)
أقدر على تقمص هذه الأعمال بالكامل فأرى نفسى بشكل ما مبدعا لها!
ردحذف* * *
رحمة الله على والدك
* * *
A.A