الاثنين، 24 فبراير 2014

أزمة

أحد أصدقائى، وهو رسام وفنان وكاتب وأديب، قضى فترة من عمره فى الولايات المتحدة الأمريكية، ثم  ارتبط عاطفيا بشابة من هناك، وتعرف أهلها، وخطط أنه سيرتبط بها ليستقر فى أمريكا إلى الأبد. وأتت  لحظة جعلته يعيد الحساب، لينفصل عنها ويعود لمصر، إلى جانب ظروف أخرى عديدة.

وكانت اللحظة أثناء جلوسه معها وهى تستعرض له عددا من الصور العائلية التى تخصها، فتشير وتقول  هذا فلان وهذا علان. فأشارت لشخص قائلة: هذا أخى، الذى سيصير خالا لابنك.

وعلى ما أذكر من رواية صديقى للأمر، وهى الرواية التى تذكرتها الآن فجأة، أنه صدم من تلك الحقيقة،  وهو أن ذاك الرجل الأجنبى، الذى ينتمى لبلد يقع على الجانب الآخر من الكرة الأرضية، ذلك الرجل  الأمريكى الغريب عنه، هو بكل ما خلفه من تاريخ وتراث ولغة وديانة وسلوك أجنبى لا ينتمى له،  سيمسى خالا لابنه، وأخته أما لأولاده، وقومهم قوما له. كانت لحظة فاصلة، قرر عندها أنه ليس من  هؤلاء القوم، وهؤلاء القوم ليسوا منه.

وكما وصف لى الصديق هذا الموقف، تذكرته الآن، أنا الذى أفكر كل يوم فى هذا الأمر. لقد خانتنى بلدى  أسوأ خيانة، وأجبرنى كل ما رأيت عبر ست السنوات الماضية على الكفر بقومى وكل ما يفعلون. وصرت  الآن، كغالبية أقرانى، لا أفكر إلا فى الهرب من هنا. الهرب إلى بلاد بعيدة، ثم خلع كل ما آمنت به فأولد  من جديد فى أرض أخرى وسط قوم آخرين، ذوى أعراق أخرى وأديان أخرى وطباع أخرى.

تذكرت هذه القصة الآن، عندما حددت موقفى بشكل نهائى. حقا إننى أعلنت كفرى بكل شىء تقريبا،  لكنى عدت من جديد لتنكشف لى سريرتى، فتخبرنى بصدق أنى لن أكون إلا مصريا عربيا مسلما. للأسف.  قلت أكثر من مرة إنى أتخلى عن جنسيتى المصرية، وكفرت بعروبتى، ورغم أننى لا زلت فى العموم أرى  نفسى مسلما، لكنى بشكل ضمنى، تخليت عن ديانة الإسلام فى كل شىء، وبالكاد أحملها اسما فقط.

تذكرت رواية هذا الصديق العزيز، عندما وجدت نفسى وبلا إرادة، أرفض بمنتهى الشدة كل الأفكار " الحديثة" التى طفحت بها شبكات الاتصال. وجدت نفسى أنهال بالسباب واللعن على كل من يقول  تلميحا أو تصريحا بوجوب الأخذ بالأنظمة الأجنبية، سياسة أو اقتصادا، عادات أو تقاليد، ديانة أو فكرا  أو فنا أو أى شىء آخر. وجدت نفسى أصاب بالغضب من كل من يطرح لنا شيئا مأخوذا كما هو من  بلدان أجنبية، غربية على وجه التحديد، سواء أكان يتكلم عن علم أو جهل. وأنعت كل من يقول بأى  من هذا بالقرد المقلد الذى لا يفعل إلا تنفيذ أوامر سيده مدرب القرود ذى العينين الملونتين والبشرة  البيضاء والشعر الأشقر!

إن فى اعتبار هؤلاء قرودا ذوى مؤخرات حمراء، أسبابا عديدة وأراها وجيهة. ولكن تعالوا نتجاوز هذه  النقطة الآن، ونضع أيادينا على قلب الأزمة:

إن المشكلة لمعقدة بحق. فكيف للمرء أن يطالب نفسه بأن يكون معتزا بهويته الدينية والوطنية  والقومية، وأن يكون ذا جذور ممتدة فى قلب أرضه ووطنه، وأن يكون صاحب قضية ومبدإ هو على  استعداد للنضال والجهاد بل الموت فى سبيله.. أقول كيف يطالب المرء بنفسه بهذا بعد أن خين ممن  ظنهم أبناء القضية أسوأ خيانة؟ كيف مع دولة تبدو بلا أمل فى الإصلاح؟ كيف مع أولئك المسوخ القبيحة  الشوهاء التى تجوب الشوارع؟ كيف تكون مناضلا فى أرض العميان، العميان الذين يقذفون بالطوب أول  من يقذفون، من يحاول إعادة كرامتهم لهم؟

وكيف تكون مصريا عربيا مسلما، وقد أجبرتك الظروف، ومن قبلها نفسك الهشة، على الكفر بمصريتك  واحتقار عروبتك والعيش حياة هى أقرب لحياة الكافر عديم الملة والدين؟

ليس الأمر بسيطا. إنها أمور تولد بها، تسرى فى عروقك وتسبح فى دمك، هى أمور يرثها أمثالى عن أجداد  أجداد أجدادهم. إنها أمور غير قابلة للمحو ولا التبديل ولا التحوير.. أدنى تحوير.

إنها أزمة "الرجل الثالث". أزمة الرجل الذى يرفض أن يكون عبدا ذليلا، ويرفض أن يكون سيدا جبارا. إنه  يرفض الخيارين المتاحين فى دولته، ولا يبدو له الخلاص إلا بالخروج.. لكن الخروج إن أتى، فلن يكون  بصحبة النبى موسى، إن خرجت فلن تخرج إلا وحيدا ضائعا، فى أرض لا تنتمى لها، ولا تنتمى لك.