الاثنين، 11 مارس 2013

شهادة وفاة

يبدو أننى أهتم بالفناء أكثر من البقاء.

استقبلت خبر وفاة جدى رحمه الله، أول أمس، ومعه احتراق جزء من مبنى الجريدة التى أعمل بها ببلادة غريبة. وبعد أن بدأت فى لملمة كسور نفسى بعد الاستيقاظ (هو طقس يومى أمارسه قد يستغرق ساعات) بدأت فى استيعاب وفهم الأمور شيئا فشيئا.


وعندما اتصلت بعمتى لأعرف كيف ستجرى الأمور، وجدت نفسى أبكى بحرارة، وبصدق: لا أعلم هل كنت أبكى عليه، أم عليه باعتباره أبا لأبى الراحل، أم على نفسى. ولعله الثلاثة معا.


ثم اكتشفت بالأمس وأول أمس أن مشاعرى لا تحيا إلا بذكرى الموت، وبذكرى ما فات ومات ولن يعود، وبالماضى الذى ولّى إلى الأبد.


لو كنتم تذكرون، كنت كتبت أننى أصبت بحنين مرضىّ إلى الماضى، من ذكريات الطفولة المبكرة حتى أولى سنين الثورة. اختفى الأمر لفترة ثم عاد مجددا وبشكل أعنف، حتى إننى صرت راغبا، حقا وصدقا، فى آلة زمن.


جلست أمس مع عمتى فى غرفة جدى، وشردت وتأملت ثيابه ومتاعه القليل، الذى لا يزيد عن الأدوية بالطبع إلى جانب طاقم أسنان ومذياع، ورقمَىْ هاتف كُتبا بخط كبير على الحائط، ثم طفا إلى ذهنى أنه من الخطإ التواجد فى غرفة المتوفى حديثا. لعلنى أعتبر سبب ذلك: أن الموت لا يزال حيا، ولا يجوز إزعاجه! وتذكرت غرفة أبى التى ظلت مغلقة بعد رحيله لفترة ربما زادت على الشهر أو الشهرين.


طفت بأجزاء من حى الزيتون، مقر الأسرة، واستعدت ذكريات ثمينة، أعلم أنها لا تعنى غيرى، ولكن ماذا تقول لامرئ يشتاق - كالمدمنين فى أفلام الثمانينات - للعودة إلى زمن كان أبوه فردا خارقا، ينفذ كل ما يرغب به، ويركب بجانبه فى سيارة جيئة وذهابا لمنزل الجد، دون أن يدرك شيئا عن جحيم المواصلات العامة الذى يتنظره فى المستقبل؟


لظروف ما، قررت العودة لمنزلى مشيا من حلمية الزيتون إلى الحى الذى أقطنه. شققت طريقى إلى طريق صلاح سالم، ومشيت كالجندى ثابت الخطوات. ومرة أخرى: يولد الموت ويحيا الفناء ويوجد العدم، عندما فوجئت بمشاعرى وخيالى وحواسى كلها تنتعش عندما مررت "بمجمع المقابر" المعروف هناك. رأيت مقابر تعود للثلاثينات والأربعينات، كلها على المعمار الإسلامى الذى يثير فىّ شجنا وحنينا رهيبا، يتصاغر إلى جانبه حزنى على مبانى القاهرة الخديوية بوسط البلد. صدقنى: الأمر يزيد عن مجرد الإعجاب بالشكل والطابع والطراز. هذه الأماكن تتكلم! هذه الأماكن تتنفس! ليس اسم المتوفى المكتوب على القبر كتابة وكفى بل كيانا محسوسا ملموسا لا يقدر بمال.


ليست أهمية الذكرى (بكل ما تعنيه الذكرى سواء أكانت تاريخا أم ذكريات شخصية أو غيره) فى محتواها. أهميتها وسحرها فى أنها ذكريات، وكفى! فى أنها ماتت وانتهت.. وأنها لن تعود أبدا. حتى لو كان طعاما قذرا كنت تأكله فى مكان ما، أو سيجارة محلية رديئة دخنتها فى يوم قائظ فى مكان منفر مزدحم مزعج. لعله لو وجدت بالفعل آلة الزمن وعدت لما أحن إليه لما وجدت ما أروم.