الأربعاء، 16 مايو 2012

ثم لا شىء


هنا ميدان التحرير. لم تخل بقعة منه إلا وقتل فيها شهيد، برصاص القناصة الذين لم يشاركوا فى الحروب بل شاركوا فى قتل إخوانهم فقط، أو ضربا على يد حثالة مبارك وغلمانه، أو بالغاز السام والرصاص المطاطى والخرطوش. عاش أغلبنا أياما لن ننساها، وكان الميدان مشبعا بروح غامضة غير مفهومة ولكنها رائعة. اتخذ بعضنا الميدان وطنا وملجأ، ولد شعراء وأدباء وفنانون، عرف فيه الكثير منا ما لم يعرفه قط عن نفسه وعن الآخرين، وفيه صار خصوم قدماء أصدقاء حميمين، ولدت فيه صداقات متينة بين أفراد من عقائد وطبقات وأفكار وتوجهات مختلفة بل متعارضة أشد التعارض، وعشرات بل مئات من قصص الحب. كل بقعة فيه حملت لأغلبنا قصة لا تنسى.
ثم ماذا بعد؟
لا شىء.
الآن لم يعد الميدان إلا صورة مصغرة لمصر التى صنعها مبارك، بحقارتها وأحيائها العشوائية القذرة التى صنعها وأتقن صنعها. أحقر وأقذر ما فى مصر صار الآن فى ميدان التحرير. حثالة مصر لم تتخذ ملجأ إلا ميدان التحرير. كل الأغبياء والجهلاء والمنافقين الذين صنعهم ورباهم مبارك ونظامه فى ميدان التحرير. لم يتبق الآن سوى رفع صورة مبارك عملاقة فى ميدان التحرير. جرب أن تسير فيه وحدك فى المساء، وقاوم رغبتك فى البكاء. قاوم رغبتك فى البكاء عندما ترى جيوش الحثالة وقد احتلت الميدان كالهوام عند بدء الصيف، وهم يبيعون بضاعتهم الرخيصة فى العلن، والمخدرات فى الخفاء! قاوم البكاء عندما ترى قطعانا لا تفهم ممّ خلقت، وهم يرفعون شعارات هم كانوا أول من ينهال بالسباب على هاتفيها، ويقومون الآن بتحريفها ومسخها كى تتناسب مع ظروفهم التى تغيرت! قاوم رغبتك فى البكاء عندما تتذكر الميدان فى اليوم التالى لجمعة التنحى وقد نظفه الثوار ليصير كما كان يوم 24 يناير وأجمل، وأنت تراه الآن أقذر وأحقر من حظائر البهائم ومزابل مبارك.
الآن صرنا نجلس فى مقاهى وسط البلد نحتسى الشاى والقهوة بلا انقطاع، وندخن السيجارة وراء الأخرى، والبعض يحاول النسيان فى حانات وسط البلد المعروفة، والبعض فضل الانكفاء على نفسه محاولا الهروب من صور الشهداء التى تطارده يقظة ومناما، وذكرياته مع أولئك الشهداء يوم كانوا أصدقاءه فى بدايات الثورة.
ثم ماذا بعد؟
لا شىء.


(كتبت على فيسبوك بتاريخ 24 أبريل 2012)

الأحد، 13 مايو 2012

كله بيزايد فما جاتش عليا

لأننا نعيش أزهى عصور المزايدات، فإليكم بضع "تغريدات" كتبتها اليوم بخصوص هذا الأمر:


سعادتك ان شالله تكون اتسجنت 45 سنة فى عهد مبارك ما يديكش الحق توزع صكوك غفران وتحدد مين الثائر ومين المدعى ومين المناضل ومين الفلول
إذا كان جنابك اعتقلت أو اتعذبت قبل الثورة أو بعدها، ده مش بيديك حصانة من النقد
لو كنت بتقعد كتير على قهاوى وسط البلد دى برضه مش بتديك رخصة نضال وتصريح بالحكم على أى حد شارك فى الثورة
لو كنت وقفت فى وش المدرعة اضرب لك تعظيم سلام واقول عليك بطل، بس لما تقول كلام غبى اسمح لى اشتمك يعنى

الأربعاء، 9 مايو 2012

كلام مثل عدمه ساعة فَجر


يطيب لى كثيرا الارتحال بخيالى بعيدا فى الزمان، فأرى نفسى جالسا فى مقهى بوسط القاهرة فى أواخر الستينات أو أوائل السبعينات، وأمامى زجاجة من البيرة المثلجة، وأغنية فرنسية تذاع، والوقت فى آخر النهار أو فى المساء. هى حالة حنين إلى ما لم أعشه قط، وهى ناشئة عن مزيج لن يخرج من وجدانى أبدا، تشكلت مما رأيته فى طفولتى المبكرة من مشاهد فى بيتى أو فى الشارع عند خروجى مع أسرتى، وما شاهدته وسمعته فى التلفزيون من أفلام أجنبية وأغان فى أواخر الثمانينات، وكل ما سبق لا أذكر عنه شيئا تقريبا إلا أشياء ضبابية مبهمة، لا أقدر على استحضار أى شىء واضح منها، ولا أذكر منها إلا كتل ألوان وإضاءات ما، وبعض الأصوات.


وبخصوص هذا الحنين إلى الماضى الذى لم أحْيَه قط، فالعامل الأكبر الذى نقله إلى هو أبى رحمه الله ومتعلقاته فى تلك الفترة، عندما كان فى العشرينيات من عمره. دفتر رسومه وأوراقه المتناثرة عندما كان طالبا بكلية الهندسة وفى بداية حياته، خاصة أعماله التى رسمها يومَ كان فى فرنسا، عندما سافر مع الكثير من الشباب فى سنه ليقص العنب فى مزارع الكروم هناك، ثم يعود ببعض الكلمات الفرنسية وعلبة تبغ "جولواز" وغيره، بالإضافة لأدواته الهندسية والفنية التى استخدمها وقتما كان طالبا وفى عمله، وبالطبع كتبه العديدة التى ورثتها عنه، وغير ذلك من المتعلقات.


كذلك لدى حنين جارف إلى عدة فترات تاريخية، أبرزها أوربا بعصر النهضة والباروك والكلاسيكى والرومانسى حتى القرن التاسع عشر، فأحب أن أتخيل نفسى فنانا تشكيليا أو موسيقيا. لا يتخيلَنَّ أحدكم ماذا ينتابنى عندما أرى رسما جميلا لألبرخت دورر أو لوحة لفرانز هالز أو رمبرانت أو كارافاجيو، أو أستمع لسوناتات البيانو لبتهوفن، أو سمفونياته أو افتتاحياته، أو بعض سوناتات باخ أو كنشرتات فيفالدى..! أقدر على تقمص هذه الأعمال بالكامل فأرى نفسى بشكل ما مبدعا لها!


أقول هذا وأنا أؤكد بأننى إنسان معاصر بكل ما تعنيه الكلمة.. محمل فوق طاقته - أو كما يقول الكلمة الإنكليزية: أوفرلودد - بالبيانات والمعلومات التى لا تنفك الآلة تنهال علينا بها يوميا بلا رحمة.


لكنى كلما خلوت لنفسى، سواء أكنت وحيدا أم وسط بشر، لا أقاوم رؤية نفسى أدخن لفافة تبغ وأشرب البيرة فى جروبى، فى ساعة ربيع أو خريف من العام 1970!




(كتبت على طملر بتاريخ 24 من مارس 2012)