هنا ميدان التحرير. لم تخل بقعة منه إلا وقتل فيها شهيد، برصاص القناصة الذين لم يشاركوا فى الحروب بل شاركوا فى قتل إخوانهم فقط، أو ضربا على يد حثالة مبارك وغلمانه، أو بالغاز السام والرصاص المطاطى والخرطوش. عاش أغلبنا أياما لن ننساها، وكان الميدان مشبعا بروح غامضة غير مفهومة ولكنها رائعة. اتخذ بعضنا الميدان وطنا وملجأ، ولد شعراء وأدباء وفنانون، عرف فيه الكثير منا ما لم يعرفه قط عن نفسه وعن الآخرين، وفيه صار خصوم قدماء أصدقاء حميمين، ولدت فيه صداقات متينة بين أفراد من عقائد وطبقات وأفكار وتوجهات مختلفة بل متعارضة أشد التعارض، وعشرات بل مئات من قصص الحب. كل بقعة فيه حملت لأغلبنا قصة لا تنسى.
ثم ماذا بعد؟
لا شىء.
الآن لم يعد الميدان إلا صورة مصغرة لمصر التى صنعها مبارك، بحقارتها وأحيائها العشوائية القذرة التى صنعها وأتقن صنعها. أحقر وأقذر ما فى مصر صار الآن فى ميدان التحرير. حثالة مصر لم تتخذ ملجأ إلا ميدان التحرير. كل الأغبياء والجهلاء والمنافقين الذين صنعهم ورباهم مبارك ونظامه فى ميدان التحرير. لم يتبق الآن سوى رفع صورة مبارك عملاقة فى ميدان التحرير. جرب أن تسير فيه وحدك فى المساء، وقاوم رغبتك فى البكاء. قاوم رغبتك فى البكاء عندما ترى جيوش الحثالة وقد احتلت الميدان كالهوام عند بدء الصيف، وهم يبيعون بضاعتهم الرخيصة فى العلن، والمخدرات فى الخفاء! قاوم البكاء عندما ترى قطعانا لا تفهم ممّ خلقت، وهم يرفعون شعارات هم كانوا أول من ينهال بالسباب على هاتفيها، ويقومون الآن بتحريفها ومسخها كى تتناسب مع ظروفهم التى تغيرت! قاوم رغبتك فى البكاء عندما تتذكر الميدان فى اليوم التالى لجمعة التنحى وقد نظفه الثوار ليصير كما كان يوم 24 يناير وأجمل، وأنت تراه الآن أقذر وأحقر من حظائر البهائم ومزابل مبارك.
الآن صرنا نجلس فى مقاهى وسط البلد نحتسى الشاى والقهوة بلا انقطاع، وندخن السيجارة وراء الأخرى، والبعض يحاول النسيان فى حانات وسط البلد المعروفة، والبعض فضل الانكفاء على نفسه محاولا الهروب من صور الشهداء التى تطارده يقظة ومناما، وذكرياته مع أولئك الشهداء يوم كانوا أصدقاءه فى بدايات الثورة.
ثم ماذا بعد؟
لا شىء.
(كتبت على فيسبوك بتاريخ 24 أبريل 2012)
