لا جديد فى القول إن الإنترنت هو الوهم عينه.. صداقات وهمية وعداوات وهمية وأحلاف وهمية ومعارك وهمية وانتصارات وهمية وهزائم وهمية. ولكنما يطمئن المرء قليلا أنه يعلم جيدا أنه عالم افتراضى، وكلنا يذكر نفسه بذلك من حين لحين.
ولكن ما حدث كان مؤسفا، مؤسفا لصحتنا العقلية والنفسية، منذ قيام تلك الثورة المشؤومة (التى كنت أعتبرها دينا جديدا لى اعتنقته بإيمان عميق ثم كفرت به) أقول: إنه منذ قيام ثورة يناير ظننا نحن مدمنى الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعى وكل ما يتعلق بها، أنها قامت ونبعت من هذا العالم الافتراضى الإلكترونى الكهربى! ظننا عالمنا الأنيق الذى خلقناه، وتلك القصور والمدائن وتشكيلات الفرسان والجند التى لا وجود لها إلا فى رؤوسنا، وفى اتجاهات المغنطة المتعاكسة فى الأقراص الصلبة والبيانات المخزونة مؤقتا فى ذواكر الوصول العشوائى فى الخواديم وأجهزتنا الشخصية، أقول إن هذا العالم الافتراضى ظن فيه أغلبنا أو كلنا أنه انتقل من الوهم إلى الواقع. وتجاهلنا كلنا حقيقة صلبة راسخة على الأرض كالجبل، وهى أنما لم يصنع الثورة إلا الجمهور الجائع الغاضب المقهور فى الشارع، الذى لا يدرك إلا القليل عن “مملكتنا” تلك.
وبعد أن انكشفت الحقيقة أمامنا واضحة جلية، بأن الثورة التى اندلعت ثم خمدت (لن أقول فشلت لاعتبارات عديدة) لم تكن متعلقة بأوهامنا الإنترنتية إلا فى أقل القليل. لم نساهم فى ما حدث إلا “بالشرارة” أو “الزناد”، الذى أشعل بارودا كان سيشتعل فى كل الأحوال.
تأمل الآن أمرنا فى شبكات التواصل، تأمل القدر الرهيب من الحزن والألم واليأس والإحباط “الرقمى” بعد انكشاف الحقيقة سالفة الذكر، الذى يحاول الكثيرون مغالبته بالمزيد من المعارك الرقمية الوهمية، والتعصب المجنون الأعمى لذلك المرشح الرئاسى السابق، أو ضد ذلك الحزب القادم! تأمل القدر الرهيب من الغل والغضب والسباب المجنون الأعمى، الذى يتبادله الجميع، وبلا سبب حقيقى أو معقول أو مقبول، إلا البحث عن صنم وهمى بلا وجود ليضيفوه إلى “أمجادهم التليدة” فى ستة الأشهر الأولى منذ قيام الثورة!
ولست أدرى.. هل يكون الحل نزع المقبس.. أم أن عندنا حلا آخر غيره..
